
المشاكل تعصر الإنسان حتى يبوح بكوامنه ويظهر على حقيقته ليس عن طريق الكلمات وإنما عن طريق المواقف ألا ترى كيف أن البعض إذا أصيب بمصيبة يجزع بلا حدود وربما يكفر بالأقدار ويلعن السماء والبعض الآخر ينهزم إذا خسر أو يجن إذا فقد وظيفة أو ينتحر إذا خسر في معركة سياسية أو يشكك في وجود البارئ إذا تعرض لكارثة هؤلاء هم ضعاف النفوس، لأنهم يتنازلون عن مبادئهم وقيمهم مع أول صدمة، ويتراجعون عن إنسانيتهم مع أول ضائقة ومثل هؤلاء ليس في داخلهم إلا البصل وحينما يعصرون في معصرة الأزمات يخرج منهم عصير البصل وليس عصير التفاح إن الرجال يعرفون في الشدائد والأزمات وإن الإيمان يتبين عند الفتن إن كل الذين يقفون مع الحق يوما، ثم ينقلبون عليه يوما آخر هم ممن خسر المعركة أمام أهواء النفس وفي الحقيقة فإن الإنسان في سباق دائم في ميدان الحياة بين نفسه الأمارة بالسوء وبين ضميره المدعوم بالعقل وأحيانا ينتصر هذا على ذاك وأحيانا يحدث العكس فمنذ الأيام الأولى لنشأة الطفل ونمو شعوره وإحساسه وفطرته من جهة، وبين رغباته من جهة أخرى يجد نفسه ساحة السباق مع ما يرغب فيه من جهة ومع ما يجب عليه أن يفعله من جهة أخرى وفي داخل المجتمع أيضا ينتصر للحق أولئك الذين انتصرت الفطرة في نفوسهم كما يدافع عن الباطل أولئك الذين انتصرت الأهواء عليهم، فالحياة حلبة سباق ومن فيها فاز ومن تأخر فيها خسر والفوز الحقيقي هو في تزكية النفس وتهذيبها والخسارة الحقيقية هي خسارة الوجدان والضمير والعقل والآخرة جميعا. ثم إن للسباق في ميادين الحياة أوجه متعددة ولعل من أهمها السباق بين الأفراد إما لإشباع الأهواء والرغبات والمكاسب المادية وإما طلبا للعلم والفضيلة والطاعة والخيرات والعمل الصالح ومن السباق يولد الصراع بين الناس ولكن يبقى الصراع الأكبر والأشمل والأخطر للإنسان هو صراعه مع الشيطان فمن هذا الصراع تتفرع كل الصراعات الأخرى في الحياة العامة فمن يتغلب على شيطان نفسه الأمارة بالسوء لن يدخل في التنافس مع الناس من أجل المكاسب المادية ولن يصارع الآخرين في سبيل الوصول إلى السلطة والهيمنة ولكنه حتما سيتنافس مع الصالحين لتحقيق الصالح من الأعمال كطلب العلم وعمل الخير ومساعدة الآخرين وما شابه ذلك يقول الإمام أمير المؤمنين : " ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار أفلا تائب من خطيئته قبل منيته ؟ ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ؟ " يقول الإمام على رضي الله عنه : ميدانكم الأول أنفسكم فإن قدرتم عليها فأنتم على غيرها أقدر وإن عجزتم عنها فإنتم عن غيرها أعجز ". وفي النهاية تقدم الجوائز للفائزين وهي عبارة عن الفوز بجنة الله عز وجل ورضوانه يقول الإمام : " الدنيا سوق ربح فيه قوم وخسر آخرون " وعلى المرء أن يتوكل على ربه عز وجل ويعمل للفوز في ميدانه الأول على أهواء نفسه، حتى يكون أقدر على الفوز في ميادين الحياة الأخرى